hawk
خربشات
هذيان الذاكرة المر

"هذيان الذاكرة المر"

 

هكذا تنهمر الافكار في راسي، كمطر استوائي. كزخات صيفية مباغتة تشتت خطوات المارة.. كمطر ربيعي في قصيدة اليوت "الارض اليباب".  أتذكر المطر الذي فاجيء الشاعر تحت اعمدة الرواق الطويل. النهارات محملة بالضجر.. اختفى بريق الاشياء و توارت الدهشة خلف جدران الملل العالية.

 الاشياء تبدو بعيدة.. تغلفها غيوم من رصاص و دم. هكذا بغداد تريد ان تبقى حلم في حر ليالي الف ليلة و ليلة. تنفلت من واقع اللحظة الجميلة. جمالها شفيف كسراب يتلاشي كلما زاد يقينك بانه حقيقة. بغداد واقعها الذي يرفض ابدا اهلها الاذعان له، غيوم من دم و رصاص، انين و موت مجاني يملاء صباحاتها.

 رائحة النارنج و عطر زهور ملكة الليل و نسائم اب في حدائق واسعة واحاديث العائلة و الضحكات المنفلتة فجاءة.. بغداد النهارات المشمسة و الشمس البرتقالية و الفة الشوارع الفرعية.. سراب.

الزمان والمكان والانسان!! اللقاء و الفراق. التحولات و التبدلات في طبيعة الطين. الاصدقاء الاعداء و الاعداء الاصدقاء.. هل نلوم الدهشة و شهقة الطعنة المباغتة من الخلف.. ام نلوم سذاجتنا الطفولية؟ رحلة الحياة من المهد الى اللحد.. الابتسامة و الدمعة. وفي النهاية..الرحيل! الغياب. والم الحضور الغائب و فجيعة الغائب الحاضر. الكلمات قطن المعاني الذي تعبث به نار البوح.. كلما اردنا البوح حط الصمت على خرائب ارواحنا. الكلمات تتدحرج من افواهنا كرؤس مقطوعة... نمتليء  برغبة البوح فجاءة كبئر مهجور داهمته المياه الجوفية بغتة..   يرتفع حد المياه.. يصعد البوح.. و لحظة الفيضان يتدفق الماء ولكن... لا احد! المياه لا تعرف الفجعية. المياه لا تقتلها العزلة بينما تتسرب منها الحياة دون رجعة. المياه هي الحياة.. الطين هو العدم.

الوحدة في عالم صاخب بالهباء.. الصمت وسط فوضى الحواس.. و العزلة.. مائة عام من العزلة.. الاف الاعوام تعتصر عزلتها في لحظة موت في ظهيرة قائضة. الياس والقرف من التاريخ و الافكار و الديالكتيك الذي صار عجلة خشبية تدور خارج الزمن.. القرف من العجز و الهزيمة التي سكنت امكنتنا و ازمنتنا و نحن مازلنا نطلق ابواق النصر و ندق طبول حروب داحس و الغبراء و نستسلم لشهوة اراقة دمنا. القاتل والضحية، وجه ينظر في مراه.. و الزهو الباذخ بعد كل دم و كل هزيمة لان مازال لنا العديد من الشماعات كي نعلق عليها معاطف الهزيمة الوثيرة.. الرائحة النتنة و اجسادنا التي تشبه حشرات كافكا المقرفة و الجدران التي تنز قيحا و صديد.. عوالمنا الممتلئة قبحا..وخرائب تواريخنا.. زهونا بفجيعتنا ولساننا اللزج الطويل الذي ادمن لعق بقايا دمنا الملتصق بسيف جلادنا. اليأس و القرف..

" كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة" وكلما اتسعت الروح ضاق الجسد. الرياح وصخب العاصفة.. وفجاءة.. لاالزمان زمان و لا المكان مكان.. لاشجر اللوز ينثر بياضه ولا النرجس يسكن مياهه. الارض الجديدة.. صحراء هروبنا.. هباء انتظاراتنا..          صمت و عزلة.. عزلة و صمت..ولاشيء يبدد الملل المسائي الثقيل.. ولاشيء يبدد الملل الصباحي الثقيل.. ملل.. ملل.. ملل.

 في صحراء هروبنا اشجار.. في صحراء هروبنا بحيرات زرقاء جميلة.. و فراشات ملونة. صحرائنا جميلة حد الالم.. انها عيوننا التي  سكنها الرعب والموت لم تعد تبصر الا اليباب.     

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 31 مايو, 2007 01:15 ص , من قبل arcadia2000

السلام عليكم

( " كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة" وكلما اتسعت الروح ضاق الجسد. الرياح وصخب العاصفة.. وفجاءة.. لاالزمان زمان و لا المكان مكان.. لاشجر اللوز ينثر بياضه ولا النرجس يسكن مياهه. الارض الجديدة.. صحراء هروبنا.. هباء انتظاراتنا.. صمت و عزلة.. عزلة و صمت..ولاشيء يبدد الملل المسائي الثقيل.. ولاشيء يبدد الملل الصباحي الثقيل.. ملل.. ملل.. ملل.)

اقتباس من الكاتب

نعم يا سيدي...
ان كل شيء اصبح مملا.. ثقيلا فالابتسامة قريبة لكنها ثقيلة
والضحكة قريبة لكنها ثقيلة و الهموم كثيرة و ثقيلة...
و الغربة ثقيلة...
والدمعة قريبة و ثقيلة... لاننا لم نتعود البكاء
انه الكبرياء...

لكني اذا بكيت ...
سابكي عند انهمار المطر
حتى يمتزج دمعي مع الماء
و انيني يضيع مع صوت الرعود و يذهب بعيدا بعيدا مع الهواء
فهمي ثقيل...و حزني ثقيل...
لكن قلبي كبير ....
لحب وطني كبير.

تحياتي لك يا سيدي و اقف احتراما لك و لكتاباتك الرائعة.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية